محمد جمال الدين القاسمي
277
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فالحق أنه إنما عرّف لكونه معهودا مذكورا بقوله أَوْدِيَةٌ وإنما لم يجمع لأنه مصدر بحسب الأصل . الخامس - قوله تعالى : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى ، لضرب مثل آخر . و ( زبد ) مبتدأ قدم عليه خبره ، ( من ) في ( ممّا ) للابتداء أي : نشأ منه ، وجوز كونها للتبعيض أي : هو بعضه ؛ وردّه أبو السعود بأنه يخلّ بالتمثيل . وقوله فِي النَّارِ صفة مؤسسة ؛ لأن الموقد عليه يكون في النار وملاصقا لها ، وقيل : إنها مؤكدة . وقال أبو السعود : في زيادة النار إشعار بالمبالغة في الاعتمال للإذابة وحصول الزبد . وعدم التعرض لإخراجه من الأرض لعدم دخل ذلك العنوان في التمثيل ، كما أن لعنوان إنزال الماء من السماء دخلا فيه حسبما فصل فيما سلف ، بل له إخلال بذلك . وسرّ التعبير الموصول في قوله : وَمِمَّا يُوقِدُونَ . . إلخ ، الإيجاز بجمعه لأنواع المعادن مع إظهار الكبرياء بالتهاون بها ، كأن أشرف الجواهر خسيس عنده تعالى ، إذا عبّر عن سبكه بإيقاد النار به ، المشعر بأنه كالحطب الخسيس ، وصوّره بحالة هي أحط حالاته . وهذا لا ينافي كونه ضرب مثلا للحق . لأن مقام الكبرياء يقتضي التهاون به ، مع الإشارة إلى كونه مرغوبا فيه متنفعا به بقوله : ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ فوفى كلّا من المقامين حقه . السادس - قدمنا أن قوله تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ على حذف مضاف ، أي مثلهما ، وسرّ الحذف الإنباء عن إكمال التماثل بين الممثل والممثل به ، كأن المثل المضروب عين الحق والباطل ! . السابع : بدأ بالزبد في البيان في قوله : فَأَمَّا الزَّبَدُ وهو متأخر في الكلام السابق ، لأن في التقسيم يبدأ بالمؤخر كما في قوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ . . . إلخ [ آل عمران : 106 ] ، وقد راعى الترتيب فيه ، ولك أن تقول النكتة فيه أن الزبد هو الظاهر المنظور أوّلا . وغيره باق متأخر في الوجود لاستمراره . والآية من الجمع والتقسيم ، على ما فصّله الطيبي - كذا في ( العناية ) . الثامن - قوله تعالى : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ تفخيم لشأن هذا التمثيل وتأكيد لقوله : كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ إما باعتبار ابتناء هذا على التمثيل الأول ، أو بجعل ذلك إشارة إليهما - كذا في أبي السعود . التاسع - أشار الحافظ ابن كثير إلى كثرة ضرب الأمثال النارية والمائية في التنزيل والسنة ، قال :